مقاتل ابن عطية

276

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد

فلو أعطاها اليوم فدكا بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا وطالبته بالخلافة ، وزحزحته عن مقامه ، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيء ، لأنه يكون قد سجّل على نفسه أنها صادقة فيما تدّعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بيّنة ولا شهود . هذا مضافا إلى أنّ منعهما السيّدة الزّهراء عليها السّلام من فدك ليس [ إلّا أن لا يتقوّى الإمام عليّ عليه السّلام بحاصلها وغلّتها على المنازعة في الخلافة ، ولهذا اتبعا ذلك بمنع سيدة النساء عليها السّلام وزوجها أمير المؤمنين وسائر بني هاشم وبني المطلب حقّهم في الخمس ، فإن الفقير الذي لا مال له تضعف همته ويتصاغر عند نفسه ، ويكون مشغولا بالاحتراس والاكتساب عن طلب الملك والرئاسة ، فانظر إلى ما قد وقر في صدور هؤلاء ، وهو داء لا دواء له ، وما أكثر ما تزول الأخلاق والشّيم ، فأما العقائد الراسخة فلا سبيل إلى زوالها ] « 1 » . [ احتجاج سيّدة النساء عليهما في المسجد النبي ] هذا مضافا إلى أنّ سيّدة النساء أرادت أن تسجّل اعتراضا على الظالمين حتى لا يكون السكون سبة إلى يوم القيامة ، مع تسجيل مظلوميتها في سجل التاريخ وكشف الغطاء عن نوايا القوم وأفعالهم ، من هذا المنطلق ذهبت سيدة النساء وبضعة أبيها إلى المسجد النبوي لتأكد الحجة ، فخطبت تلك الخطبة القاصعة التي قصمت ظهور القوم إلى يوم القيامة . وها نتشرف بعرضها على القارئ الكريم ليرى بلاغة مولاتنا الزهراء روحي فداها ومدى مظلوميتها لدى بعض الصحابة الذين اتخذوا من الصحبة غطاء يمررون مشاريعهم من خلاله . وهذه الخطبة العصماء التي ارتجلتها العالمة غير المعلّمة في حشد من المهاجرين والأنصار بعد أن ضرب بينها وبينهم ملاءة ، فكان وقعها أشدّ من الحسام المهند على نفوس السامعين إلّا نفر ضئيل لا يفقه شيئا قد غلّف الرين قلبه ، فغدا حجرا صلدا بل أشد ، وسأوردها بأسانيدها المعتبرة .

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج 16 / 363 .